توفي القاضي الإسرائيلي بيني ساغي في 4 كانون الثاني 2026 بعد تعرّضه لحادث سير في فلسطين المحتلة. ونُشرت بعد ذلك معلومات في وسائل الإعلام تشير إلى أن القاضي ساغي، الذي كان يحقق في القضية الرقم 3000، المعروفة في الصحافة الإسرائيلية باسم «قضية الغواصات»، قُتل، وأنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المشتبه فيه في هذه القضية، أفلت بالتالي من الملاحقة القضائية والمحاسبة، علماً أن نتنياهو متهم في ثلاث قضايا جنائية أخرى. لكن هل تمّت بالفعل تصفية القاضي ساغي وهل كانت تصفيته لتخويف القضاة الآخرين وتنبيههم من أن استمرارهم بمحاكمة نتنياهو ستؤدي إلى تصفيتهم؟
قد تتبيّن حقيقة ذلك لاحقاً علماً أن «قضية الغواصات» هي فضيحة فساد تتمحور حول شراء الكيان الإسرائيلي غواصات وسفناً حربية من مجموعة «تيسن كروب» الألمانية ومن مصلحة الإسرائيليين إغلاق هذا الملف سريعاً حتى لا يضاف إلى القائمة الطويلة من الملفات التي تثير الانتقادات الأوروبية للكيان الصهيوني منذ بداية الإبادة الجماعية في غزة وحملات توسيع المستوطنات في الضفة الغربية.
تتمحور «قضية الغواصات» حول شبهات بأن مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى استفادوا بشكل غير قانوني من عقود بيع الغواصات والسفن الحربية التي بلغت قيمتها مليارات الدولارات، عن طريق الرشوة والاحتيال وغسل الأموال وخيانة الأمانة وجرائم أخرى ذات صلة. الصفقة شملت شراء ثلاث غواصات من طراز «دولفين» للبحرية الإسرائيلية، بالإضافة إلى عدد من السفن الحربية المجهزة بالصواريخ.
المحكمة الإسرائيلية حققت مع الوكيل التجاري لشركة «تيسن كروب» في فلسطين المحتلة، مايكل غانور، الذي قدّم إفادة اعترف فيها بضلوع مسؤولين إسرائيليين في العملية ثم تراجع عن إفادته. ويواجه غانور اتهامات بالرشوة وغسل الأموال والتهرّب الضريبي. كما خضع للتحقيق القضائي عدد من المقربين من نتنياهو، ومسؤولون حكوميون بمَن فيهم قائد البحرية الإسرائيلية السابق إليعازر ماروم ورئيس ديوان رئيس الوزراء السابق ديفيد شاران، وآخرون. لكن اللافت في الأمر هو أن المحكمة الإسرائيلية استدعت ابن عم نتنياهو ومحاميه السابق، ديفيد شيمرون، للاستماع إليه بصفة مشتبه به في هذه القضية.
وتراجع القاضي ساغي وأُسقطت بعض التهم الموجهة إلى شيمرون بعد جلسة الاستماع التمهيدية. ولم تُوجه اتهامات جنائية ضد نتنياهو نفسه. وقررت النيابة العامة الإسرائيلية في عام 2024 عدم متابعة التحقيق الجنائي في دور رئيس الوزراء في القضية 3000، وعدم وجود أساس كافٍ لتوجيه الاتهام إليه.
امتدت المحاكمات لسنوات دون صدور حكم نهائي وقد تمتد لوقت أطول بسبب ألاعيب فريق الدفاع
بعد وفاة القاضي ساغي، يمكن الحسم بأن الاشتباه بضلوع نتنياهو في «قضية الغواصات» انتهى، لكن هذا لا يعني نهاية الملاحقات القضائية الإسرائيلية لنتنياهو في قضايا الفساد. رئيسة محكمة القدس (المحتلة) الإسرائيلية المركزية القاضية ريفكا فريدمان تشرف اليوم على المحاكمات في قضايا الفساد، ويواجه نتنياهو محاكمة مطولة بتهم الفساد منذ عام 2019. وتُعدّ هذه التهم قضية قانونية وسياسية محورية في الكيان الإسرائيلي.
يواجه نتنياهو اتهامات في ثلاث قضايا رئيسية:
- القضية 1000: قبول هدايا ثمينة (زجاجات شمبانيا، سيجار، مجوهرات) من رجال أعمال أثرياء مقابل خدمات؛
- القضية 2000: حيث يُزعم أنه تفاوض مع ناشر أكبر صحيفة في إسرائيل للحصول على تغطية إعلامية أكثر إيجابية؛
- والقضية 4000: حيث اتهم نتنياهو بمنح امتيازات تنظيمية لشركة اتصالات (بيزك) مقابل تغطية إعلامية أفضل على موقعها الإخباري.
تستمع المحكمة الإسرائيلية إلى شهادة نتنياهو وأدلّته منذ سنوات، خلال جلسات تُعقد عدة مرات أسبوعياً. وقد رفض القضاة بعض طلبات نتنياهو بتأجيل الجلسات أو إبطاء وتيرتها. كما أُلغيت بعض الشهادات المقررة أو أُجلت لأسباب أمنية أو إجرائية أخرى. وفي بعض الأحيان، توقفت جلسات المحكمة بعد احتجاجات أو مقاطعات من عائلات الأسرى الإسرائيليين في غزة.
ويبقى السؤال الأساسي الذي يشغل الإسرائيليين أنفسهم كما يشغل المنطقة والعالم هو هل يمكن أن تدين المحكمة نتنياهو وتسجنه؟
من الناحية القانونية، تُعرِّض التهم نتنياهو لعقوبات سجن محتملة في حال إدانته.
لكن هناك أربعة عوامل سياسية وقانونية أساسية تحول دون ذلك وهي:
1. المماطلة في إجراءات المحاكمة: فقد امتدت المحاكمات لسنوات دون صدور حكم نهائي، وقد تمتد لوقت أطول بسبب ألاعيب فريق الدفاع عن نتنياهو.
2. العفو: حيث طلب نتنياهو من الرئيس الإسرائيلي العفو (من دون الاعتراف بالذنب) ويخضع هذا الطلب حالياً للدراسة وقد يصدر العفو خلال العام الجاري إذا تم التوافق السياسي مع الرئيس.
3. التأثير السياسي: حيث يدّعي مناصرو نتنياهو أن المحاكمة باتت مُسيّسة بشدة. وانتقد حلفاء نتنياهو، بمن فيهم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، الادعاء علناً وطالبوا بإسقاط المحاكمة.
4. المعيار القضائي للإدانة: لكي يُدان نتنياهو، يجب أن يقتنع القضاة بأن الادعاء أثبت جرمه بما لا يدع مجالاً للشك، وهو معيار يصعب تحقيقه في قضايا الفساد السياسي.
في الختام، لا بد من التذكير بأن المحكمة الجنائية الدولية كانت قد أصدرت أوامر لتوقيف نتنياهو وإحالته إلى مقرّها في لاهاي لارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة. وهو يعدّ فارّاً من وجه العدالة الدولية بينما ما يزال يحاكم في قضايا فساد في فلسطين المحتلة. وإن تصفية القضاة وتهديدهم ومعاقبتهم (كما هي الحال بالنسبة إلى قضاة المحكمة الجنائية الدولية) ونسف المحاكم وإلغاء مفاعيل القانون، والمماطلة بالإجراءات، والتلاعب بالأحكام، وكل محاولات الفرار من الحقيقة، لن تنجح.